الشيخ محمد هادي معرفة

503

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

عامَلَ كرزوس بالحسنى - وفقا للآية الكريمة - كما كانت شيمته الكريمة مع سائر الملوك المغلوبين ، كان يعاملهم الحسنى ، كما فعل بملك ماد وملك أرمنستان وغيرهما . « 1 » ويذكر هيرودوت أنّ كورش كان يودّ - في بداية الأمر - أن يختبر صلابة الملك الأسير وإيمانه فأمر بإضرام النار ليلقى فيها ، ثمّ عدل عن ذلك - رأفةً ورحمةً به - وزاد من إكرامه وتعزيزه ، وبلغ من إكرامه أن اتّخذه مستشارا كان يستشيره في مهامّ أموره . « 2 » وأمّا بقيّة رواية هيرودوت من إلقاء الملك الأسير - فعلًا - في النار ، ثمّ عنّ له - لبادرة بدرت من كرزوس - فأمر بإنجائه وذويه من النار . . . فإنّ المحقّقين من أرباب التاريخ المعاصرين ، لا يتوافقون على صحّته ، إذ كان متنافيا مع معتقدات الفرس آنذاك ، حيث تقديسهم لجانب النار وأن لا تتلوّث بالأقذار ، فضلًا عن مخالفته لشيمة ملوك الفرس عامّة من اتّخاذ طريقة الرأفة بالاسراء الملوك والأخذ بجانب حرمتهم بالذات . ولعلّ هيرودوت أخذ هذه القصّة من قصّاصين قبله وسجّله في كتابه من غير تحقيق . « 3 » بعد ذلك واصل كورش زحفه غربا في آسيا الصغرى لإخضاع المستعمرات اليونانيّة - وكانت قد رفضت التحالف مع كورش في حربه مع ملك ليديا - كما كان من الطبيعي بعد انتصاره على الليديّين أن يفكّر كورش في الوصول إلى بحر إيجة ( غرب ليديا ) الذي تحتاج إليه الإمبراطوريّة الفارسيّة لتسهيل مصالحها التجارية العالميّة ، وكانت المدن الأيونيّة ( المستعمرات اليونانية ) على شواطئ هذا البحر مشهورة بغناها ، ولكنّها منقسمة على بعضها وبالتالي كانت ضعيفة ، فكانت تؤلّف غنائم سهلة التناول تغري الفاتحين . وكانت مباغتة فجيعة لليونانيّين على شواطئ آسيا الصغرى عندما رأوا الجيوش الفارسيّة الجرّارة تطبّق عليهم جميعا وتستولي بحملة واحدة على مدنهم كلّها على سواحل بحر إيجة .

--> ( 1 ) - مفاهيم جغرافية ، ص 242 . ( 2 ) - تاريخ هيرودوت ، ترجمة الوحيد المازندراني ، الكتاب الأوّل ، ص 53 - 55 . ( 3 ) - راجع : تاريخ إيران ، ص 66 ؛ ومفاهيم جغرافيّة لعبد العليم خضر ، ص 242 .